محمد بن جرير الطبري

148

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعد لهم من كرامته ، إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم ؛ ولذلك من المعنى ذكر قوله : قَرِيبٌ وهو من خبر الرحمة والرحمة مؤنثة ، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النسب والأوقات بذلك المعنى ، إذا رفعت أخبارا للأسماء أجرتها العرب مجرى الحال فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع وذكرتها مع المؤنث ، فقالوا : كرامة الله بعيد من فلان ، وهي قريب من فلان ، كما يقولون : هند قريب منا ، والهندان منا قريب ، والهندات منا قريب ، لأن معنى ذلك : هي في مكان قريب منا ، فإذا حذفوا المكان وجعلوا القريب خلفا منه ، ذكروه ووحدوه في الجمع ، كما كان المكان مذكرا وموحدا في الجمع . وأما إذا أنثوه أخرجوه مثنى مع الاثنين ومجموعا مع الجميع فقالوا : هي قريبة ، منا ، وهما منا قريبتان ، كما قال عروة بن الورد : عشية لا عفراء منك قريبة * فتدنو ولا عفراء منك بعيد فأنث قريبة ، وذكر بعيدا على ما وصفت . ولو كان القريب من القرابة في النسب لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثا ومع الجمع إلا مجموعا . وكان بعض نحويي البصرة يقول : ذكر قريب وهو صفة للرحمة ، وذلك كقول العرب : ريح خريق ، وملحفة جديد ، وشاة سديس . قال : وإن شئت قلت : تفسير الرحمة هاهنا المطر ونحوه ، فلذلك ذكر كما قال : وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا فذكر لأنه أراد الناس ، وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث ، كقول الشاعر : ولا أرض أبقل إبقالها وقد أنكر ذلك من قيله بعض أهل العربية ، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكر قريبا توجيها منه للرحمة إلى معنى المطر أن يقول : هند قام ، توجيها منه لهند وهي امرأة إلى معنى إنسان ، ورأى أن ما شبه به قوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بقوله : وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا غير مشبهة ، وذلك أن الطائفة فيما زعم مصدر بمعنى الطيف ، كما الصيحة والصياح بمعنى ، ولذلك قيل : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " هو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته " . والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشئ السحاب ، وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهي نشر ؛ ومنه قول امرئ القيس : كأن المدام وصوب الغمام * وريح الخزامى ونشر القطر وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قراء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود ، فإنه كان يقرؤه : بُشْراً على اختلاف عنه فيه ، فروى ذلك بعضهم عنه : بُشْراً بالباء وضمها وسكون الشين ، وبعضهم بالباء وضمها وضم الشين ، وكان يتأول في قراءته ذلك كذلك قوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ تبشر بالمطر ، وأنه جمع بشير بشرا ، كما يجمع النذير نذرا . وأما قراء المدينة وعامة المكيين والبصريين ، فإنهم قرءوا ذلك : " وهو الذي يرسل الرياح نشرا " بضم النون والشين ، بمعنى جمع نشور جمع نشرا ، كما يجمع الصبور صبرا ، والشكور شكرا . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهب من كل ناحية وتجيء من كل وجه . وكان بعضهم يقول : إذا قرئت بضم النون فينبغي أن تسكن شينها ، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح ؛ وقال : العرب تضم النون من النشر أحيانا ، وتفتح أحيانا بمعنى واحد . قال : فاختلاف القراء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه . وكان يقول : هو نظير الخسف والخسف بفتح الخاء وضمها . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قراءة من قرأ ذلك " نشرا " و " نشرا " بفتح النون وسكون الشين وبضم النون والشين قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ،